الشوكاني

369

فتح القدير

وقال الفراء : المعنى خلق للرجل المرأة ، ولكل ذكر ما يوافقه من الإناث ، ويجوز أن يكون خلقه على القراءة الأولى هو المفعول الأول لأعطى : أي أعطى خلقه كل شئ يحتاجون إليه ، ويرتفقون به ، ومعنى ( ثم هدى ) أنه سبحانه هداهم إلى طرق الانتفاع بما أعطاهم فانتفعوا بكل شئ فيما خلق له ، وأما على القراءة الآخرة ، فيكون الفعل صفة للمضاف أو للمضاف إليه : أي أعطى كل شئ خلقه الله سبحانه ولم يخله من عطائه ، وعلى هذه القراءة يكون المفعول الثاني محذوفا : أي أعطى كل شئ خلقه ما يحتاج إليه ، فيوافق معناها معنى القراءة الأولى ( قال فما بال القرون الأولى ) لما سمع فرعون ما احتج به موسى في ضمن هذا الكلام على إثبات الربوبية كما لا يخفي من أن الخلق والهداية ثابتان بلا خلاف ، ولا بد لهما من خالق وهاد ، وذلك الخالق والهادي هو الله سبحانه لا رب غيره . قال فرعون : فما بال القرون الأولى فإنها لم تقر بالرب الذي تدعو إليه يا موسى بل عبدت الأوثان ونحوها من المخلوقات . ومعنى البال الحال والشأن : أي ما حالهم وما شأنهم ؟ وقيل إن سؤال فرعون عن القرون الأولى مغالطة لموسى لما خاف أن يظهر لقومه أنه قد قهره بالحجة : أي ما حال القرون الماضية ، وماذا جرى عليهم من الحوادث ؟ فأجابه موسى ، ف‍ ( قال علمها عند ربى ) أي إن هذا الذي سألت عنه ليس مما نحن بصدده ، بل هو من علم الغيب الذي استأثر الله به لا تعلمه أنت ولا أنا . وعلى التفسير الأول يكون معنى " علمها عند ربى " أن علم هؤلاء الذين عبدوا الأوثان ونحوها محفوظ عند الله في كتابه سيجازيهم عليها ، ومعنى كونها في كتاب أنها مثبتة في اللوح المحفوظ . قال الزجاج : المعنى أن أعمالهم محفوظة عند الله يجازي بها ، والتقدير : علم أعمالها عند ربي في كتاب . وقد اختلف في معنى ( لا يضل ربى ولا ينسى ) على أقوال : الأول أنه ابتداء كلام تنزيه لله تعالى عن هاتين الصفتين . وقد تم الكلام عند قوله في كتاب كذا قال الزجاج . قال : ومعنى " لا يضل " لا يهلك من قوله - أئذا ضللنا في الأرض - " ولا ينسى " شيئا من الأشياء ، فقد نزهه عن الهلاك والنسيان ، القول الثاني أن معنى " لا يضل " لا يخطئ . القول الثالث أن معناه لا يغيب . قال ابن الأعرابي : أصل الضلال الغيبوبة . القول الرابع أن المعنى لا يحتاج إلى كتاب ، ولا يضل عنه علم شئ من الأشياء ، ولا ينسى ما علمه منها ، حكى هذا عن الزجاج أيضا . قال النحاس : وهو أشبهها بالمعنى ، ولا يخفى أنه كقول ابن الأعرابي . القول الخامس أن هاتين الجملتين صفة لكتاب ، والمعنى : أن الكتاب غير ذاهب عن الله ولا هو ناس له ( الذي جعل لكم الأرض مهادا ) الموصول في محل رفع على أنه صفة لربي متضمنة لزيادة البيان ، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف ، أو في محل نصب على المدح . قرأ الكوفيون ( مهدا ) على أنه مصدر لفعل مقدر : أي مهدها مهدا ، أو على تقدير مضاف محذوف : أي ذات مهد ، وهو اسم لما يمهد كالفراش لما يفرش . وقرأ الباقون " مهادا " واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم قالا لاتفاقهم على قراءة - ألم نجعل الأرض مهادا - قال النحاس : والجمع أولى من المصدر ، لأن هذا الموضع ليس موضع المصدر إلا على حذف المضاف . قيل يجوز أن يكون مهادا مفردا كالفراش ، ويجوز أن يكون جمعا ، ومعنى المهاد : الفراش فالمهاد جمع المهد : أي جعل كل موضع منها مهدا لكل واحد منكم ( وسلك لكم فيها سبلا ) السلك : إدخال الشئ في الشئ . والمعنى : أدخل في الأرض لأجلكم طرقا تسلكونها وسهلها لكم ، وفى الآية الأخرى - الذي جعل لكم الأرض مهادا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون - ثم قال سبحانه ممتنا على عباده ( وأنزل من السماء ماء ) هو ماء المطر ، قيل إلى هنا انتهى كلام موسى ، وما بعده هو ( فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى ) من كلام الله سبحانه ، وقيل هو من الكلام المحكى عن موسى معطوف على أنزل ، وإنما التفت إلى التكلم للتنبيه على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال القدرة . ونوقش بأن هذا الخلاف الظاهر مع استلزامه فوت الالتفات لعدم